بعد 15 عاماً على غيابه .. زكي ناصيف ما زال “رفيق الدروب”!

Like & Share

خاص Bekaa.com

لا يَسَع المرء التحدّث عن الموسيقى اللبنانية أو عن القرية (الضيعة) أو عن السهل والحصّادين والسنابل والخيرات والأحباء وجلسات الإلفة بعد عملٍ مُضنٍ، أو عن الطبيعة والعصافير والأغصان والفراشات والورود والنسمات، أو عن الدبكة والفلكلور والأهازيج والرقص الشعبي، من دون التوقّف طويلاً عند ظاهرة اسمها زكي ناصيف.

أُطلقَ عليه لقب “شيخُ الموسيقى”، والبعض يعتبره عن حقّ “أبو الفلكلور اللبناني”، ولكنه إضافة الى ذلك وبالأولى وقبله وبعده هو “عاشق الوردة”!

ولد في 4 تموز/يوليو ١٩١٦ وترعرع في قرية مشغرة من قرى البقاع الغربي، أرض العنب والنبيذ والحور والصفصاف والحقول المترامية والأنهر والبحيرات. شرب من السهل وداعته وبساطته، ومن العاملين فيه كدّهم وصدقهم وتفاؤلهم، ومن كنائس الوادي الترانيم بالألحان السريانية والبيزنطية. من والدته خزن ذاكرة حيّة لأهازيج و”شروقيات” كانت ترددها له بصوت صافٍ وحزين. وصغيراً أورثه والده فونوغرافاً، كان الأول في المنطقة، وأسطوانات لسلامة حجازي وسيد درويش حملها له من سفراته المتكررة. نشأ على جملهما الموسيقية السريعة والقصيرة المُصاحبة لكلمات بسيطة شعبية وعفوية وأحياناً لبيانو ونحاسيات ما لبث أن أتقنها لاحقاً مفتتحاً بذلك مدرسة جديدة في الموسيقى اللبنانية والعربية، تنهل من المخزون التراثي والفلكلوري غير المصقول عادةً وتقدّمه بإيقاع رومنسي هادئ وشفاف يلامس براءة القرية وسحرها المسكون. أسلوبٌ جديد طبع موسيقاه وأغانيه التي أصرّ على نفخ روح الطبيعة والأرض والانسان فيها من غير يوتوبيا ولا أساطير!

تابع الدراسة في المعهد الموسيقى في الجامعة الأميركية في بيروت بين عامي 1936 و1941، فتعلّم العزف على البيانو والعود والفيولنسيل وتمرّن على الغناء. ومن ثم درس كتابة النوتة وفن التأليف والهارموني مع أستاذ التأليف الموسيقي في جامعة القديس يوسف والأكاديمية اللبنانية للفنون الفرنسي برتران روبيار. ولعلّه مذذاك وجد في البيانو “ضالته” التي بإمكانها التعبير عن أحاسيسه وانفعالاته الرومانسية ولكن القوية في آن أحسن تعبير. فلازمه طوال مشواره الموسيقي الغني.

البيانو مع زكي ناصيف حاضرٌ دائماً، ليس فقط عندما “لَمْحِتْ خلف الشال بسمة وجمدت خلف جبالها” أو في “نقيللي أحلى زهرة” أو “يا عاشقة الورد” وغيرها من روائع الأغاني الرومانسية، ولكنه حاضرٌ أيضاً “من شقّ الضو” وفي “رقي رقي يا عيوئه رقي وهلّي عالصاجة… كل لئمة خبزة مرقوقة بتسوى خمسين كماجة!” وحاضرٌ في “مهما يتجرّح بلدنا” وحاضرٌ كذلك في الترتيلة الرائعة “حنانك يا ربّ الأكوان”.

منذ 1953 لم تعُد الموسيقى بالنسبة إليه مجرّد هواية، إذ تفرّغ للعمل في إذاعة الشرق الأدنى (قبل أن ترثها الإذاعة اللبنانية سنة 1956) وبدأ يمدّها بالألحان والمقطوعات والأغاني. أتخذ خطاً موسيقيا جديداً وبسرعة تميَّز به وتألّق. أدخل الكورال للمرّة الأولى في الأغنية اللبنانية. فتح جوارير التراث الغنائي الشعبي وأعمَلَ فيه ريشته الحنونة وأنامله الرشيقة. فلا استرسال معه ولا إطالة بل جمل موسيقية قصيرة لجملٍ شعرية غاية في البساطة والإحساس.

هذه المسيرة سريعاً ما قادته الى بعلبك ومهرجاناتها الدولية.. فـ”الليالي اللبنانية” بحاجة الى موسيقاه، كما هي بحاجة الى الأخوين الرحباني وسعيد عقل وفيلمون وهبه وتوفيق الباشا، لتنقذ الفلكلور اللبناني والأغنية الشعبية التقليدية من صخبها “المجاني” أحيانا ورتابتها. إطلالته الأولى كانت في مهرجانات بعلبك سنة 1957 ولاقت نجاحاً كبيراً، فصار منذ تلك السهرة “ضرورة-لا بدّ منها” في السنوات اللاحقة 1959-1964 -1974 ما همّ إن عملَ مع الأخوين أو مع وهبة أو سواهم أو مستقلاً عنهم.

فللياليه طابعٌ خاص ونكهة مميزة بل فريدة، تمزج ما سمعته الأذن في زمن الطفولة، من شذرات ترانيم وأغاني عشاق خجولين وأهازيج حصّادين فخورين أو عاملات وعاملين مجتهدين، تمزجها بألحانٍ عذبة حديثة فَرِحة وكلماتٍ شفّافة لا تحمل معنَيَين!

كأنَ الطفل المندهش بأسرار الطبيعة واحتمالاتها لم يفارقه يوماً، مأخوذا دوماً بشروق الشمس ومغيبها، وسطوع النجمة والقمر، وسنابل الحقل وخيراته، والفراشات والعصافير والورود والأزهار و”بطولات” الأهل و”خبرياتهم”.

و”أبطال” زكي ناصيف هم أبطال من نوع آخر: فلا جَوْرَ بين العشاق بل رقّة صادقة غير مبالغ فيها وأحياناً عتابٌ بسيط من غير دراما أو بكائيات. ولا “مختار” ولا “شاويش” فصوت الجماعة حاضرٌ أقوى عنده من صوت الفرد، ولا وطن مقدّسا مُبهما وانما أرضٌ خلف الدار، نحبها كما هي بلا أسطرة، ليس لأنها تاريخ ولكن لأنها جغرافيا. نزرعها ونحصدها ونعمل ونعشق ونعيش ونموت فيها. فإذاً “مهما يتجرح بلدنا منلمو ولو كنا قلال، قلال ولكن ما تعودنا نبكي ونندب عالأطلال”. وأبطاله امرأة “ترقّ عالصاجة” و”حبايبنا حوالينا” لأنهم “عادوا من سفر بعيد”، فـ”نسِّم يا هوا بلادي”!

هذا المبدع الخجول والمتواضع كان دائماً “البطل” الذي سَعى اليه نجوم الفن في لبنان لغناء كلماته وألحانه. كبار الفنانين غنوا له، ليس فقط اعترافاً بموهبته وإنما أيضا تحقيقا لعلامة فارقة في سيرتهم وريبرتوارهم الفني.

السيدة فيروز قطفت من موهبة زكي ناصيف باقة رائعة من الأغاني والالحان التي كتبها ووضعها خصيصاً لها وغنتها في اسطوانة مميزة نتجت عن لقاء العملاقين “فيروز تغني زكي ناصيف”.

أغمض زكي ناصيف عينيه الى الأبد في العاشر من آذار من العام 2004 عن عمر يناهز 88 سنة، وأكثر من ألف ومئة لحن وأغنية ومقطوعة موسيقية. فإليه منا ألف تحية.

حاشية

  1. أنشأت الجامعة الأميركية في بيروت، في العام 2004، «برنامج زكي ناصيف للموسيقى» للحفاظ على تراثه الموسيقي، وتكريمًا لتلميذها الذي صار من أعمدة الموسيقى اللبنانية. ولهذه الغاية، قدّمت العائلة أرشيفه الموسيقي إلى الجامعة التي وضعته في «مكتبة يافت».
  2. تولت جمعية تشجيع حماية المواقع الطبيعية والأبنية القديمة في لبنان APSAD في العام 2012 إعادة ترميم منزل الفنان الراحل في قريته مشغرة الذي يتقاسمه إثنان وثلاثون وريثًا تنازلوا جميعًا عن ملكيته ليصبح متحفًا، يؤمه محبو فنه ويخلّد ذكراه. وحافظت الجمعية على طابع البيت المتواضع كما هو، وعرضت أغراضه ومقتنياته الخاصة وبينها آلة البيانو التي تعود للموسيقي العالمي روسيني ومدوّنات الفنان ونوتاته بخط يده. وما زالت الجمعية تسعى لإدراج المتحف على خريطة لبنان السياحية.

Bekaa.com-التحرير

Leave a Comment