الزواج المدني… والوطن المعلّق

Like & Share

غسان حجار – النهار – 21 شباط 2018

لا يمكن ربط الزواج المدني بالزنى، وبأشكال أخرى للانحلال الاجتماعي. فالانحلال في المجتمعات ذات النزعة الدينيّة موجود بكثرة، لكنّه مخفي عن الأنظار طبقاً للقول “وإذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا”.

المجتمع الأوروبي “المفكّك” وفق وصف كثيرين له، يتمتّع بقيم أخلاقيّة وإنسانيّة أكثر من شعوب أخرى متديّنة. والبوذيّون لهم قيمهم الاجتماعيّة رغم عدم إيمانهم بالله. أمّا العائلة التي تراجعت أوضاعها بسبب “الإلحاد” وفق وصف البعض، فإنّها تفكّكت كثيراً لأن الحداثة كشفتها، فيما عائلاتنا تُعاني في الظل اضطهاد المرأة، وتعنيف الأولاد، والنظم الذكوريّة الفوقيّة، والقوانين الجائرة التي تحول دون الحياة الحرّة اللائقة بالكرامة الإنسانيّة التي يجب أن تكون غاية كل دين.

طرحت الوزيرة ريّا الحسن فكرة قوبلت بالقمع والتكفير وحملات لا ترقى إلى مستوى الدين الذي “لا إكراه فيه”، إذ “لو شاء ربّك لجعل الناس أمّة واحدة”…

لم نكن ننتظر من رجال الدين أن يُرحّبوا بالزواج المدني، إذ من واجبهم الدعوة إلى التزام التعاليم والنظم والأعراف الدينيّة، لا لمصالح سلطويّة وماليّة كما يُتّهمون (وإن تكن موجودة) وإنّما التزاماً لدورهم وانسجاماً مع موقعهم. فهل يدعو طبيب المرضى إلى زيارة معالج بالأعشاب أو بالماورائيّات؟ رجال الدين يقومون بواجبهم عندما يدعون الناس إلى ما يعتبرونه “صراطاً مستقيماً”، وهذا حق لهم. أمّا أن يلجأوا إلى التهديد بالمنع باستعمال سلطتهم لحرمان آخرين حقوقهم، فهذا يخرج عن دورهم لأنّه فرض عبر سلب إرادة الآخرين، وضرب حريّتهم في خياراتهم الحياتية.

لا يمكن السلطات المدنيّة حرمان رجال الدين حقوقهم، ويجب ألّا يحرم هؤلاء العلمانيّين حقوقهم أيضاً. فالحرمان بالقوّة، والتهديد، والوعيد، أشكال من الترهيب والإرهاب.

ثمّ إن لبنان دولة مدنيّة، لا دين للدولة فيها، لكنّها تحترم كل الأديان، وتنصّ مقدّمة الدستور، الفقرة “ج” على أن “لبنان جمهوريّة… تقوم على احترام الحريات العامّة وفي طليعتها حريّة الرأي والمعتقد”.

وفي الممارسة أن الدولة اللبنانية تعترف بالزواج المدني، وتهديد رجال دين بعدم غسل الميت ودفنه وما إليه من ترهيب فكري، لا يطبّق على أرض الواقع إلّا على الفقراء. فالأغنياء، وإن تزوّجوا مدنياً، وإن ثبت تورّطهم في قضايا فساد، وإن شاركوا في الحروب وقتلوا أرواحاً بشريّة، فإنّهم يستقبلون في المقار الدينيّة ويجلسون في المقاعد الأماميّة، ويشيّعون وفق مراسم لائقة.

الزيجات المدنيّة التي تعقد في الخارج تُسجّل في لبنان تلقائيّاً، وثمّة عقود تمّت في لبنان وسُجّلت قبل أن تضغط السلطات الدينيّة لوقف الإجراء.

إنّ الدعوات المستمرّة إلى دولة مدنيّة، وإلغاء الطائفيّة السياسيّة، ومجلس نيابي لا يقوم على التوزيع الطائفي، تذهب هباء، إذ إنّ مجرّد طرح فكرة للنقاش يؤكّد تجذُّر الطائفيّة، بل المذهبيّة، وينسف كل المحاولات لتقدّم المجتمع عبر قبوله التعدّد والتنوّع واحترام الآخر مهما يكن توجّهه الديني أو اللاّديني.

وإلى جولة جديدة من النقاش، تصبحون على مزيد من المذهبيّة البغيضة، وعلى مشروع وطن معلّق.

مساحة إعلانية
لإعلاناتكم على الموقع (+961) 70 976857

Leave a Comment